عدن والعيد..عادات أصيلة وموروث ثقافي متميز ساد ويتهدده الأفول

عدن المنارة/أحمد حسن عقربي:

19 - أغسطس - 2012 , الأحد 05:42 مسائا (GMT)

615 مشاهدة | لا يوجد تعليقات





لكل مدينة عادات وتقاليد وتراث، ولمدينة عدن عادات وتراث عريق موغل في القدم، فهذه المدينة (عدن) المتوسدة البحر تتمتع بخصائص تراثية وثقافية وفلكلورية فريدة ميزتها عن غيرها من المدن في اليمن والجزيرة العربية، وأكسبتها حضورا وأهمية تضاف إلى جمال وسحر شواطئها الطبيعية الاخاذة، وجعلها من بين أكثر المزارات العيدية ارتيادا من قبل الكثير من عشاق السواحل الدافئة.
ولا عجب أن تكون المدينة وعاداتها وطقوسها العيدية في مثل هذه المناسبات محل أعجاب وأه القادمين اليها من مختلف المحافظات اليمنية، وخاصة ممن يمثل أمتداد سواحلها والتنوع الثقافي والحرفي والمعماري أحد ابرز عناصر منظومة الجذب السياحية اليها.
الحاجة فاطمة (من يافع) جاءت تعاود أبنتها المتزوجة والساكنة في عدن حينما التقيناها في ساحل جولدمور مع افراد اسرتها تساءلت عن عادات عيد الاضحى قائلة: كيف تكون عادات العيد في عدن؟ وقبل ان ارد عليها سبقني احد الشيوخ، كان على مقربة منا، وهو كما يبدو من اعيان عدن جاء وأسرته للاستمتاع بقضاء بعض الوقت في الساحل.
وقال" عادات عدن في الاعياد قديمة واصيله وجميلة، تبدأ بمراسم الاحتفال بالاحتفاء بسفر الحجاج وسط طقوس جميلة وتاريخية، إذ جرت العادة في السابق، وقبل حوالي ثمانين عام أن تقام طقوس معينة سواء اثناء توديع الحجاج أو عند استقبالهم، لكن هذه العادات انقرضت للاسف، وكان المسافرين للحج من أهل المدينة او ضواحيها قبل عشرين يوما او عشرة ايام يذهبون على ظهر الناقة أو الجمل من خلال الهودج الذي يحمله الجمل، ويوضع فيه المسافر مع اغراضة ويتقدمة الجمال الذي يتولى قيادة الجمل في مسيرة وترحاله الطويل حتى يصل الاراضي المقدسة (مكة المكرمة).
وكان المسافر يمر قبل السفر وهو في الهودج على جميع الاهل وسكان الحافة ليودعونه ويدعون له بحج مبرور وسلامة العودة ويحملونه الحلاوة والكعك ويغدقوا عليه بالهدايا والعطور، فيطالبهم بالصفح والسماح والعفو عنه فيمطره الحضور بالادعية والعودة السالمة وتأدية مناسك الحج وسط هالة من زغاريد النساء وتصفيقات اولاد الحي ودعاء الشيوخ والكهول.
وتابع الشيخ" وعند عودة الحاج يتم توزيع الهدايا للأهل والأصدقاء، وهي عبارة عن مشدات وقوارير معبأة بمياه زمزم و مسابح وسجاد وقمصان وكوافي بيضاء.
وعند استقبال الاهل له تتعالى الاصوات المزغردة من الحناجر والمعبرة عن فرحة الجميع بعودة الحجاج بالسلامة ويوزع الاهالي القهوة العربية على المستقبلين فيما تنثر النقود على الاطفال وهم في حلقة او دائرة، حيث ترمي النقود من على رأس الحاج وهو في الدائرة فيتحرك حولها الاطفال لاخذ النقود التي يعتبروها نداء الرأس على الحاج او الحاجة وهنا تكتمل الصورة في مراسم توديع واستقبال الحجاج.
عدن مع قرب العيد:
أما في الايام القليلة من قرب الاحتفال بالعيد او في اطلالة العيد تكتظ اسواق عدن التاريخية الزاخرة بالملابس المتنوعة الاشكال والألوان والتي تخضع لأذواق مختلف الناس بمستوى سنهم.
وكان اهالي عدن في الاعياد يفضلون شراء ملابس العيد ("مآزر" فوط السمرقندا من اندونيسيا) و"شال" المشدات المعموله بالحرير الغالية الثمن والمعمول بعضها بالخيوط الجد ذات الالوان المتنوعة والصافية البياض وهي من القطن الصافي وبعضها من الحرير الخالص وكان البعض منها تسمى بالروشان التي ترسم فيها اشكال من الخيوط المتنوعة اشبة بأشكال هندسيه الى جانب لباس العمائم على الرأس ذات الصنع الهندي او اللحجية ذات الطراز المحلي وهي متنوعة ومتباينة الجودة والأذواق وكل نوع له خصوصية اجتماعية عند طبقات المجتمع.
فالقبيلي والشيخ يميلان الى العمائم الغالية المصنوعة من الحرير الخالص في حين الانسان العادي كان يلبس من العمائم المستوى الثاني من الجودة اما العمامات البيضاء وهي عادة من القطن كان يلبسها السادة والمتصوفين وعلماء الدين في عدن.
ملابس الاطفال:
كانت ملابس الاطفال متميزة ومعظمها مصنوع من الصوف او ما كانت تسمى "بالسوت" وهي كلمة انجليزية وكانت سراويلهم مشدودة الى الخلف عبر الاكتاف اما لباس الفوطه عند العدني الاصيل كانت تدلى الى اخمص القدمين وهي من الحرير الخالص يجاريها القميص الابيض الناعم ما كان يطلق عليه الدبل كف ذات الاكمام المعدنية او الذهبية في الغالب منها الى جانب الكوفية الزنجباري الغالية الثمن المصنوعة على آلات المكائن وليس عن طريق الايدي كالكوافي التي يصنعها الوهطيون من ابناء محافظة لحج التي تصنع عبر اليد والخيط والجد والإبرة.
اما اليوم وفي ظل تراجع الدخل والمستوى الاقتصادي فأن الكثيرين على مختلف اعمارهم ومستوياتهم الاجتماعية لم يعودوا يركزون على مثل هذه الاشياء.
زيارة الأولياء:
ومضى احمد عوض يقول ان الناس كانوا لا يذهبون الى البحر او الحدائق العامة او المنتجعات السياحية لانعدامها او شحتها في ذلك الوقت..فمعظم الناس خصوصا الكبار يتجهون الى مجالس المقايل او النوادي الثقافية أو بستان الكمسري او يذهبون الى المناطق الزراعية في المحافظات المجاورة مثل زيارة بستان الحسيني المشهور في محافظة لحج وبستاني الحصن وباتيس في محافظة أبين فضلا عن تفضيل البعض زيارات الاولياء كزيارة ولي الله العيدروس في كريتر والهاشمي في الشيخ عثمان او زيارة ولي الله الصالح الشيخ عثمان في الشيخ القديمة التي كان يطلق عليها الشيخ الدويل أو زيارة الولي بشاطئ أبو الوادي بحقات كريتر الذي للأسف مغلق منذ أن أستولى عليه وأغلقه الرئيس السابق علي عبدالله صالح بعد حرب 1994م.
ووفقا لمصادر متعددة فان من ضمن طقوس هذه الزيارات التكرم بالاولياء.. فيحضرون مراسم المحف بالجمال او في حلقات مولد النبي صل الله عليه وسلم التي يتقدمها بيارق الاولياء و الفوانيس المضاءة مع ترديد الاناشيد الدينية من قبل منصب الولي و امام المسجد او حضور المجاذيب بالنار او الجذبة من قبل المعتقدين بالولي والذين يطلق عليهم اسم المجاذيب الذين تصحبهم قرعات الطبول والعصي و يسيرون ببطء تارة و يواصلون السير تارة و يتوقفون للسماع لقول شاعر الجذبة الذي عادة ما يكون في مقدمة موكب المجاذيب او موكب الولي، كما تقدم الوجبة الجماعية الهريش مع اللحم لزوار الولي.
المسابح:
من بين تلك الطقوس التي كانت تغمر ايام العيد زيارة الشباب لمسبح حقات التاريخي بكريتر الذي يتوخى مقاسات السباحة الدولية لكنه اليوم اصبح مهجورا دون صيانة او تشغيل.
المقاهي:
اما كبار السن والشيوخ فكانوا يفضلون الجلوس في مقاهي عدن التاريخية مثل مقهى زكو او مقهى سكران التاريخيين ويتناولون فيها الشاي السيلاني المشهور انذاك و يلعبون أوارق الفرد اما الصيادون فيحيون ايام العيد بالرقص والطبل والتجذيف والسباق الاستعراضي بالقوارب والزعائم الخشبية التاريخية انذاك.
فاليوم فيقضي الناس كبار وصغارا ايام العيد في متنفسات متعددة التي تزخر مدينة عدن بها، غير أنه برز خلال السنوات الأخيرة محال للألعاب الالكترونية و نوادي الانترنت المغلقة التي تحرم الأطفال والشباب من الاستمتاع بطبيعة عدن الجميلة.
رقصة الليوه:
وكانت احتفالات عيد الاضحى المبارك التي تتزامن احيانا مع مواسم الاحتفالات بأولياء الله الصالحين هي الأساس في احياء الفلكلور الشعبي كالرقص واطلاق المواويل الشعبية ومن بين الرقصات الشعبية التاريخية التي كان تقدم في ساحات الشوارع العامة بين المتجمهرون في الاسواق المكتظة بالمتسوقين هي رقصة (البدوي) ذات الايقاع او الرقص اللحجي بنوعية السلطاني و الشعبي او (الركلة) وهي رقصة الصيادين او رقص (الليوه) العدنية الاصيلة التي كانت تقدم بشكل دائري ولازالت حتى يومنا هذا وان اديت بغير طقوسها التاريخية القديمة كما يقول مهندس هذه الرقصة الشيخ احمد المزمار وهو من اسرة عريقة نساءها ورجالها امتهنوا هذه الرقصة والأغاني والإيقاع والطبل الذي كان يجاريها.
مظاهر ثقافية:
أما في الفلكلور الغنائي والموسيقي فكانت مسارح ودور السينما في عدن تشهد حركة جذب منقطع النظير للمرتادين بمختلف اعمارهم مثل مسرح البادري وسينما هريكن في كريتر او السينما الشرقية والأهلية في الشيخ عثمان وسينمات البريقة وخورمكسر والتواهي والمعلا..، التي للأسف اقفلت خلال السنوات الاخيرة وذلك ضمن مسلسل ضرب الثقافة المدنية في عدن، وكانت تقام فيها احتفالات وسهرات غنائية لكبار الفنانين المشهورين والمغمورين امثال الفنان المرحوم احمد بن احمد قاسم والفنان محمد مرشد ناجي والفنان ابوبكر سالم بلفقيه والفنان محمد سعد عبدالله وفضل محمد اللحجي واحمد يوسف الزيدي والفنان الغنائي المرحوم محد صالح عندليب لحج في ذلك الزمان.
كما كانت تعرض المسرحيات الفكاهية الذي يلمع فيها الفنان الكوميدي المعروف فؤاد الشريف او فرقة مسرح عدن الصغرى القديمة.
وحتى الرياضة كلعبة كرة القدم كانت لها حضور متميز في احتفالات العيد حيث عرفت مثل هذه المناسبة الليلية التنافس بين اندية عمالقة عدن الرياضية كفريق نادي المحمدي ثم الحسيني بكريتر ونادي الاحرار الرياضي ونادي شباب التواهي وفريق وادي سيسبي في الشيخ عثمان وغيرها من الفرق والأندية التي كان التنافس فيما بينها يضفي على العبد نكهة مختلفة.
ابطال السينما:
وكان لدور السينما في مثل هذه الاعياد نكهة خاصة حيث يبدأ الناس بقطع التذاكر في طوابير مزدحمة منذ الصباح الباكر لمشاهدة الافلام المنتقاة الانجليزية والعربية المصرية، وبعض دور السينما تفتح ثلاثة فترات صباحا وظهرا و مساء مثل سينما بلقيس التاريخية بكريتر والتي تكاد تكون مهجورة وآيلة للسقوط بفعل الإهمال المقصود.
وكان الناس يدخلون السينما لإعجابهم الابطال والنجوم مثل فيلم صلاح الدين الأيوبي و أمير الانتقام وعنترة بن شداد و الافلام الرومانسية، اما اليوم فالمشهد الثقافي والفني والفلكوري في احتفالات العيد وان كان متنوعا ومتناغما مع التحديث ومستجدات العصر لكن المسرحيين والفنانين لايخفون امتعاضهم من شحة المسارح وبيوت الثقافة والفنون فيلجأوا الى احياء احتفالات العيد من خلال مسارح الهواء الطلق التي تقام حاليا على الشواطئ والمنتزهات والمنتجعات السياحية وهي كثيرة في عدن.
وجبات وحلويات العيد:
اما الوجبات المفضلة ايام العيد عند اهالي عدن في الماضي فهي الزربيان ووجبة العطرية (شعيرية) باللبن والمحلاة بالسكر، وكذا وجبة فتة الموز مع العسل واللبن مع السمن والسكر وحلوياتها التي كانت تفتقر على حلويات المكركر والمشبك والسمسمية والمضروب، فيما تحتوى مائدة العيد اليوم على مواد متنوعة بدء بالشربة الاستهلالية لطبق العيد مرورا باللحمة المشوية واللحم الممروق ولحم الحنيد والأسماك الثمينة كالديرك والشروخ والحبار وأنواع الخبز البلدي والصناعي وتنوع البهارات الهندية والتي يعقبها تناول اصناف الحلويات كالكيك المتنوع وتشكيلات الشيكولاته ومقرمط اللوز الزبيب واللوز الصناعي البلدي والفوفل الاحمر وانتهاء بأطباق اللبنية والجيلي والبدنج..الخ، خلافا للحلويات التي كانت تتصدر اطباق حلويات العيد في الماضي عند اهالي عدن مثل المكركر والمشبك والسمسم والمضروب اللحجي وحلاوة اللبن وحلوى الصابون والتي كانت تصنع في قرية الوهط في لحج المشهورة بصناعة هذه الحلوى.
مع الاسف لم تصمد معظم هذه الحلويات التاريخية امام حلويات هذه العصر سوى حلويات المضروب والمشبك او القرمش التي ارتبطت بذاكرة العدني واللحجي على السواء لقربهما وتجانس ثقافتهما وتعاملهم الحضاري وبساطة الناس في هذين المحافظتين.
بخور عدن:
لماذا بخور عدن هو المفضل لدى الزوار على مدى التاريخ؟! أي قبل ثلاثة آلاف سنه قبل الميلاد كانت الميناء الحر التجاري وعاصمة البخور وانطلاقا من هذه الخلفية التاريخية ارتبط البخور بثقافة مدينة عدن وفي العصر الاسلامي صار أحياء المناسبات الدينية معتمدا على البخور في جزء منه ونتيجة لهذا كانت صنعة البخور تنشط في احتفالات عيدي الفطر والاضحى في مدينة عدن كما انتشر في جنوب الجزيرة والخليج وفي الوطن العربي والعالم وعادة كل من يزور عدن من العرب والأجانب في ايام العيد او غيرها يتساءل عن السر في جودة البخور العدني وهو نفس السؤال الذي يردده زوار عدن من المحافظات الذين وصلوا عدن هذه الايام للمشاركة مع اهالي عدن ايام العيد و التعرف عن قرب عن عادات العيد عندهم ولذلك.
الاجابة على مثل هذه التساؤلات المشروعة بسيطة لاتحتاج الى فك الرموز او الطلاسم كما تقول الحجة " قبول" وهي من رائدات صناعة وطباخة البخور العدني موضحة ان السر في هذه الجودة هو ان عدن قد شهدت وجود اكبر شركات العطور والبخور والرياحين العالمية منذ بداية الاربعينات ابان الاحتلال الانجليزي وذاع صيتها في الجزيرة والخليج حيث امتزجت في صناعة البخور الخبرات الهندية والباكستانية والإيرانية مع الخبرات العدنية، وكانت تمثل عدن موقعا تجاريا حيويا عالميا لاستيراد المواد الخام كالعود والبخور واللبان من الدول الاسيوية ومن حضرموت وسلطنة عمان وحينها كانت هاتين المنطقتين تزرعان شجرة البخور والعود ولهذا فصنعة البخور العدني متميزه كما تقول مريم من محافظة أبين التي تزور عدن حاليا انها وغيرها من الزائرات لعدن يحرصن دوما في مثل هذه المناسبات ان يكون في مقدمة هداياهن للأهل والخلان هو البحور العدني.
















هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

عدن المنارة فيسبوك

صور

كاريكاتير

مختارات

البوم الفيديو

إستفتاء

هل المحافظة على اثار عدن مهمة إجتماعية:
نعم .
لا .
إختيارات القراء

عدن المنارة تـويـتـر